|
أمّهات عشنَ غربة الأولاد بداعي العلم الجامعي، ففرحنَ
أو حزنَّ
يسافر للتعلم أم لا يسافر؟!...
سفر الأبناء والبنات
وانفصالهم للمرة الأولى عن كنف العائلة بداعي التحصيل
الجامعي، مرحلة جديدة في حياتهم يتوقون إليها بلهفة،
وهي أيضاً محطة استثنائية في حياة الأهل، مثقلة بالشوق
والقلق عليهم من ظروف الغربة..
في هذا التحقيق آراء وتجارب لأمّهات يعشنَ أو عشنَ
المرحلة، قطعنها بفرح أو بصعوبة... فما الذي يخيف
الأمّ من ابتعاد ابنها البكر أو ابنتها عنها لأول مرة،
ولمدة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات كفيلة بالكثير من
التغييرات، وبماذا توصي أولادها عندما يسافرون؟ وماذا
يقول علم النفس عن هذه المرحلة، وهل يمكن للأولاد أن
يكتسبوا الاستقلالية الإيجابية وهم في كنف العائلة؟
أصعب المراحل في حياتي
أمل حركة أمّ تعتزّ بطموح ابنها
البكر الذي لطالما كان متفوقاً في المدرسة، وكانت تعيش
معه بشغف اليوم الذي سيبدأ فيه اختصاصه الجامعي في
واحدة من أهم جامعات لبنان، بالرغم من المتطلبات
المالية التي "تقطع الظهر" كما قالت، وبالرغم أيضاً من
المخاوف الكبيرة عليه من رفاق السوء والخداع الذي قد
يتعرّض له وهو بعد في مستهل استقلاليته. أضافت أمل:
الآمال التي علّقتها على الجدية في طباع ابني، تعدّت
القلق عليه وهو بعيد عني، لقد دست على قلبي وتركته
يسافر من غير أن أُشعره بأي ارتباك أو خوف، لكني لم
أتوقف عن تحذيره من التأثر بالتيارات الشبابية
السلبية، بكل أنواعها. مرحلة سفره الأولى أمضيتها على
الهاتف، أتواصل معه يومياً مرات عدة ويخبرني ماذا فعل
وأين سيذهب بعد الدراسة ومن عنده من الأصدقاء... كانت
من أصعب المراحل، لأنها المرة الأولى التي يترك فيها
المنزل، إلا أن دوامي الطويل خارج البيت، ساعدني
نسبياً على التلهي بأمور العمل، ومع ذلك ما إن كنت
أدخل البيت حتى أصطحب أخته وأخاه ونخرج للتسوق، أو
لأيّ شيء آخر لأنني لم أرد أن أبقى في المنزل وأشعر
بغيابه! كان منظر سريره مرتّباً وهادئاً يبكيني، إلى
أن بدأت أسيطر على مشاعري وأشغل وقتي بالاهتمام
بإخوته.
أكثر ما يقلقني عليه هو العادات السيئة بين أبناء
جيله، فثمة أصدقاء يدفعون بمن حولهم إلى الانجراف
بالرذائل، وأنا دائماً أذكّره بحسن انتقاء الزملاء
والتعرف إلى ذويهم للاطلاع على البيئة التي ترعرعوا
فيها، فيعي بعض الأمور أو يتخذ الحذر منها. لكني لم
أتكل على حذره فقصدت في بداية السنة حرم الجامعة، حيث
ينام ولم ترقني فكرة تجمّع البعض عنده للدراسة، خفت
عليه من أن يلتهي بهم عن دراسته، فاستأجرت له شقة
صغيرة يجد فيها الهدوء للتفرّغ لحياته الجامعية.

هل نخرب البيت من أجل العلم؟
رندا عطالله أم تسعى جاهدة لأن
لا يسافر أولادها للتخصص في بلد بعيد عن العائلة، فقد
سمعت ببعض الحوادث التي يتعرض لها الطلاب في الغربة
عندما يبدأون حياتهم مستقلين عن أهلهم، كما أنها لا
تتحمل غربة إضافية على غربتها، فهي أساساً بعيدة عن
بلدها وعائلتها ولا تريد أن تتغرّب أيضاً عن أولادها
بداعي العلم. قالت رندا: "من الممكن إيجاد
الاختصاص المناسب لأولادنا وهم قريبون منا، خصوصاً أن
سنّ الانتساب إلى الجامعة ما يزال فيه الأولاد يافعين
أمام الخبرات". وأضافت: أصرّت ابنتي البكر على السفر
إلى كندا للتخصص في مجال الهندسة، لكني رفضت، لم يكن
العائق مادياً أبداً، بل لم أتقبل فكرة عيشها بعيدة
عني في بيئة أوروبية مغايرة عن تربيتنا العربية، فكيف
لي وأنا بعيدة عنها أن أعرف ماذا يجري معها؟! ومع ذلك
بعد إصرارها على الأمر، أوحيت لها بالموافقة على
السفر، بعد أن استعددت وأخواتها لتمضية إجازة الصيف في
لبنان، وبقيت وحدها في دبي لنحو شهر على أساس أنها
تتحضر للجامعة. أردت أن تختبر قدرتها على تحمل العيش
وحيدة وبعيدة عن أسرتها، إلا أن الأمر لم يدم وكانت
تهاتفني يومياً سائلة عن موعد العودة، مع العلم أنها
لم تكن وحيدة فعلياً، فقد كان والدها معها، وكذلك
صديقاتها كثيرات من حولها، ومعها أيضاً سيارتها للتنقل
والترفيه! وأنهت رندا قائلة: ثمة دائماً فرص للتعلّم
من غير الاضطرار إلى الانفصال عن الأسرة في سنّ مبكرة،
إذ إنه أيضاً من غير المقبول أن تترك الأمّ زوجها
وبقية أفراد عائلتها للسفر مع أحد أولادها بهدف العلم،
فانقسام الأسرة هنا أمر محتوم ومن يدري إلى ماذا يؤول
في النهاية، فهل نخرب البيت من أجل العلم في الخارج؟!
تجربة استثنائية
مريم عبد الرحمن، أمّ لها تجربة
استثنائية في هذا الموضوع، قالت في بداية حديثها:
"لا تسمحي بسفر أولادك، يمكن يرجعوا ويمكن لا"! فهي لم
ترد أن تعيق طموح ابنتها الراغبة في السفر إلى أوروبا
للالتحاق بإحدى كلياتها، ومع ذلك ككل أمّ، كانت قلقة
على حياتها من ظروف الغربة وحوادثها بالرغم من أنها
ابنة واعية. بعد سفر ابنتها، ماذا قالت مريم؟! "صرت
أعدّ أيام الإجازة كي أرى ابنتي مجدداً بالرغم من أن
نتائجها الجامعية كانت مفرحة! لقد عشت تجربة صعبة، ولا
أشجع على فكرة ابتعاد الأولاد عن ذويهم، بل على أن
يستفيدوا من كل يوم اهتمام وحب يمضونه في وسط عائلتهم
قبل انتقالهم للانفصال عنها في مرحلة الزواج! فالزواج
بالرغم من أهميته في حياة أولادنا، يبقى أمراً صعباً
على الأمّ في بداية الأمر، إلى أن تعتاد على الفكرة،
فكيف بالحري إذا كان الأولاد غير متزوجين؟! واستطردت
مريم حديثها قائلة: "عندما سمحت لابنتي بالسفر،
خسرتها...! لقد بقيت سنوات عدة بعيدة عني بداعي العلم،
ثم قبل إنهاء تخصصها والعودة إلينا، تعرفت إلى شاب كان
يعمل حيث تتعلم وتزوجته وتابعت حياتها حيث سافرت،
بعيدة عني، لقد خسرت وجودها بقربي وما زلت أراها في
الإجازات!... وتابعت "مريم": ابنتي بدورها نادمة لأنها
تركت العائلة باكراً ولم تستفد من الأيام الحلوة التي
تجمع أفرادها قبل ارتباطهم وبناء حياة مستقلة... يمكن
للدراسة أن تتم من غير داعي السفر، ويجب الاستفادة من
هذا الأمر، لأن ثمة ظروفاً أخرى كالزواج تجبر أولادنا
على الاستقرار بعيداً عنا، ومثل هذا الظرف لا يمكن
التدخل فيه أو تغييره!
أخاف
عليه من معشر السوء والمخدرات
إيليان مطر، مثل كل الأمّهات،
نظرت إلى قرار سفر ابنها البكر بهدف العلم، على أنه
صعب ولكن ضروري... لم ترد التفكير في الأمر قبل أن
يحين وقته جدياً وتقع تحت "الأمر الواقع" كما قالت،
وإلا لربما حالت دون سفره. أضافت إيليان: عندما
قرر ابني البكر الالتحاق بالجــــــامعة في لبنان ونحن
نعيش في "دبي"، كان يجب أن أتحضر نفسياً لقبول الأمر
بالرغم من العاطفة القوية التي تربطنا، إذ لا يمكن أن
أقف عائقاً أمام مستقبله وأكبح طموحه. إلا أن وجود
الأقارب في لبنان، يساعد إلى حدّ كبير في تقبل فكرة
السفر، إذ سيكون محاطاً بهم في وقت الإجازات.
وتابعت إيليان: "أكثر ما أوصيته به وما زلت هو أن
يحافظ على التربية التي نشأ عليها، وألا ينحرف مع
المعشر السيئ، خصوصاً أن المخدرات رائجة في كل مكان
وتحديداً بين الشباب، أوصيته كذلك ألا يثق بالزملاء
الجدد، ودائماً ما أكرّر له أن العلم بالنسبة إليّ
يأتي ليس مهمّاً بقدر أهمية تمسكه بالمبادئ الصحيحة
التي ترعرع عليها، إذ إن الشخصية التي سيصقلها في هذه
المرحلة، لا بدّ وأن تطبع حياته في المستقبل. واستطردت
إيليان: لقد نشأ أولادنا في غربة عن بلدهم، فأحطناهم
بكل اهتمام وحرصنا على أن يكبروا تحت أعيننا في كل
المراحل، ولا نريد أن ينحرفوا عن هذه التربية بسبب
التحصيل الجامعي! أكثر الأوقات صعوبة في هذا الأمر،
كان مع بداية الفصل الجامعي، حيث حان وقت عودتنا إلى
بيتنا في "دبي" بعد انتهاء إجازة الصيف، ومعها حان وقت
انفصال ابني عنّا وبقائه في لبنان، فعدنا من دونه،
وكذلك هو كان من الصعب جداً عليه أن يبقى وحده في
بداية الأمر، بالرغم من حماسته الشديدة...
وختمت إيليان: قلقي مستمر عليه لأنه غالباً ما يخرج مع
أصدقائه بعد الدراسة، وأنا أخاف عليه من الحوادث، لكني
أكبح خوفي عندما أكلمه على الهاتف حتى لا يخفي عني
شيئاً! الإيجابي في هذا الانفصال أن الابن يتكل على
ذاته ويصبح أكثر استقلالية! لقد حان الوقت لأن يكبر،
واليوم بعد شهور مضت، أشعر في كلامه وأفعاله كم صار
متكلاً على نفسه، وبالرغم من عاطفته الكبيرة، لقد
تحرّر مني ولم يعد تحت جناحي!
تجربة مزدوجة
إيمان عبد الرزاق، أمّ لها
تجربة مزدوجة مع ابنتها وابنها البكر عاشتها عندما
سافرا لأول مرّة للالتحاق بإحدى الجامعات في بلد
أوروبي، قالت: لقد ربّينا أولادنا على المبادئ
السليمة ودعمنا سفرهما بكل ثقة لأننا أردنا أن يكتسبوا
تحصيلاً أكاديمياً مميزاً يتيح لهما فرص عمل جيدة،
علماً أن كلاً منهما في كلية واختصاص مغايرين. ابنتي
قاومت من جهتها صعوبات الغربة وركزت اهتمامها على
الدراسة فتخطت السنة الأولى بتفوّق، على عكس أخيها
الذي انجرف بتيار السهر واللهو، ثم وقع بعدها في حب
إحدى الفتيات الأجنبيات، ما زاد الطين بلة، وصارت
الدراسة على هامش اهتماماته... لم نعِ الأمر بداية إلى
أن ازداد طلبه على المصروف الذي كنّا نحوّله له شهرياً
بشكل لافت... عندما تحرينا عن الأمر، علمنا أنه لا
يواظب على الدراسة... وتابعت إيمان القول: "كان القرار
صعباً أن أترك زوجي وبقية أفراد أسرتي لألحق به، فمكثت
معه نحو سنتين متقاطعتين بين سفر وآخر لأتفقّد بقية
العائلة وزوجي، لقد انقسمنا، أردفت إيمان، ومع ذلك لم
يكن وجودي فاعلاً في ردعه، إذ كانت الرهبة عليه من قبل
والده وليس مني! إلى أن قرّر والده حصر المصروف
المحوّل له بقسط الدراسة فأجبره الأمر على العودة،
واعداً إيّانا ببناء مستقبله من جديد، ونحن، ختمت
إيمان، بانتظار تنفيذ الوعد، مع العلم أن الأهم
بالنسبة إلينا أنه انفصل عن علاقته العاطفية، لأننا لا
نتقبّل أساساً فكرة زواجه من أجنبية!
أم محظوظة
رلى فينيانوس، أمّ تعتبر نفسها
محظوظة لتوافر اختصاص ابنها البكر في الإمارات العربية
حيث تعيش والعائلة، لأنها أساساً لا تريده أن يسافر،
"فالبعد جفاء"، كما قالت، وتريد أن يترعرع أبناؤها في
كنف العائلة بقدر المستطاع لأن العيش المشترك يغذّي
روابط العاطفة، قبل بلوغهم مرحلة الزواج، كما قالت...
وأضافت رلى: أمام أولادنا في مرحلة الجامعة،
خبرات كثيرة، منها المفيد ومنها السيئ، وأنا أفضّل أن
يختبروا الحياة وهم "تحت جناحين"، حتى إذا ما صادفتهم
مشكلة، لاحظناها وبادرنا إلى معالجتها منذ البداية
وقبل تفاقمها وهم بعيدون عنّا! وتابعت: "مهما كانت
تربية الأولاد صائبة، فهم يبقون أولاد الحياة، وستتدخل
معنا في تربيتهم تلك البيئة التي سينشأون فيها،
وتحديداً معشر الرفاق، ومن يضمن نوعية الرفاق في
الغربة؟! عندما يكونون في وسط العائلة، يمكننا التعرّف
إلى أصدقائهم، وأخذ فكرة ما عن خلفية تفكيرهم
وأخلاقياتهم، فنحذرهم وننصحهم، ومَنْ أكثر من الأهل
قادر على هذا الدور؟!"... وختمت رلى: "قد تكون إحدى
أهم حسنات سفرهم، أن يتكلوا على ذواتهم ويصبحوا أكثر
استقلالية، ولكن هذه الاستقلالية يمكن أن يكتسبوها وهم
معنا من خلال حرية اختيار اختصاصهم، والمواد التي
ينوون دراستها من دون سواها وغيرها، فالمستقبل
أمامهم".
وافقت رغماً عني
منتهى عبد الستار من الأمّهات
اللواتي كنّ يرفضنَ بشدة سفر الأولاد بداعي الدراسة،
ولكن مع إصرار ابنتيها على الأمر، بسبب عدم توافر مجال
الاختصاص الجامعي المطلوب، حيث تعيش العائلة، رضخت
للأمر، مع العلم أنها كانت توصي من حولها من الأمّهات
كم هذه المرحلة من العمر معرّضة للانتكاسات بفعل
العشرة السيئة واختلاف العادات بين المجتمعات، وبالرغم
من أن ابنتيها على قدر كبير من الوعي والصراحة معها،
كما قالت. وتابعت منتهى: "لقد واجهتاني باللوم
عندما رفضت وأشعرتاني بالذنب لأني أعرقل طموحهما!! لقد
وافقت رغماً عني، وسافرنا معاً إلى مقرّ الجامعة
وتدارسنا معاً أمور السكن، إلى أن وجدنا أنه من الأفضل
الابتعاد عن حرم الجامعة، فاستأجرنا شقة تتوافر فيها
شروط الأمان وتعرّفنا بالعائلات التي تسكن المبنى،
فمثل هذه الأمور يطمئن إلى حدّ ما!
واستطردت منتهى: اليوم هما سعيدتان جداً في هذه الخطوة
بالرغم من اشتياقهما إلى البيت والعائلة، ونبقى على
اتصال دائم بشكل يومي.
وأردفت: "آمل أن تحافظا على التربية التي ترعرعتا
عليها. قد تكون إحدى حسنات الأمر أنهما اثنتان، فإذا
أصابت إحداهما مشكلة لا بد وأن تساعدها الأخرى، ولا بد
من أن تكشف إحداهما لنا، ما قد تخفيه الثانية!"
وختمت منتهى: نحن نغتنم فرص الإجازات لنستدعيهما أو
لنذهب إليهما، كما أن والدهما يقاطع أعماله بين الفترة
والأخرى ويقصدهما للاطمئنان إلى مجرى حياتهما الخاصة
قبل المنحى الدراسي! أعتقد أن التربية الجيدة لا تذهب
هدراً، أتمنى أن تبقيا صريحتين معي. وفي النهاية، لا
بد من الاقتناع بأن ما قد يواجههما من مشكلات وهما
بعيدتان، قد يواجههما وهما في كنف العائلة، المهم أن
يبقى الحوار سائداً بيننا وأن تبقى الصراحة أيضاً
فنحيط بهفواتهما إذا وقعت!
هالة الأشقر خوري |